ابن الحسن النباهي الأندلسي
208
المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )
المطالبة بدم قتيل كان قد أشهد العدول ، وهو جريح ، بأنّ دمه عنده ، وتوفي إثر الشهادة عن عصبة من ولد وإخوة ؛ فقاموا طالبين من السلطان النظر لهم في صاحبهم ؛ فاستحضره عن أمره بمجلس الحكم الشرعيّ ، وأعذر له فيما استظهر به أولياء دم القتيل ، فادّعى الدفع في ذلك ، وتأجّل آجالا وسع فيها عليه . وانفرضت الأيام وقهرته الأحكام ؛ فشكى بالقاضي لسلطانه ، وسأل منه الأخذ مع الفقهاء في قضيّته ؛ وقد كان صانعهم بجهده ، واستظهر بإثبات عداوته بينه وبين من رماه بدمه ، فجمعهم الأمير بحضرته ، وأخذ معهم في نازلة ابن عمّه ؛ فوقع الاتّفاق منهم على الأخذ بمذهب الشافعيّ ، أنّه لا يقسم بمجرّد قول المصاب : « دمي عند فلان » . واستدلّوا بالحديث الثابت في الصحيح الذي نصّه : لو يعطى الناس بدعواهم ، لادّعى ناس دماء رجال وأموالهم . قالوا : وبخصوص في هذه النازلة ، لما اقترن بها من الأسباب المرجحة للانتقال عن المذهب ، وذكروا مسألة عبد اللّه بن سهل وأنّ رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلم ! - وداه من عنده بأنّه ثقة . فمال السلطان إلى موافقتهم ، وأن تكون الغرامة من قبله ؛ ولكنّه « 1 » قال لقاضيه : « ما عندك فيما اجتمع عليه أصحابك ؟ » فقال له : « أمدّك اللّه بإرشاده ، وأراك الحقّ حقّا ، وأعانك على اتباعه ! أنت مالكيّ المذهب ، وأهل بلادك كذلك ، والانتقال من مذهب إلى مذهب آخر لا يسوغ إلّا بعد شروط لم يحصل في نازلتها منها شرط واحد ! وحديث القسامة أصل من أصول الشرع ، وركن من أركان مصالح العباد ، وبه أخذ جلّ الأئمّة والسّلف من الصحابة والتابعين ، وفقهاء الأمصار ، والذي يجمل بك ، أيّها الملك ، إمرار الحقّ بوجهه ، ولو كان على نفسك ، فضلا عن ابن عمّك ! » قال : فأخذ برأي قاضيه ، وأمر بابن عمّه ؛ فدفع بذمّته إلى أصحابه ؛ فقتلوه بالقسامة . قال المخبر : فحسب الناس ما صدر في النازلة عن الأمير والقاضي من المناقب الشريفة ، والمآثر الحميدة ، والأفعال الدالّة على تعظيم الشريعة .
--> ( 1 ) في الأصل : « ولاكنه » .